ابن الجوزي
380
كتاب ذم الهوى
منه ، وبقي الأكثر عندي ، وركبت إلى باب العامة في يوم الموكب بزيّ حسن ، وجاء الناس فدخلوا إلى الخليفة ووقفت إلى أن استدعيت فدخلت ، فإذا أنا بالمقتدر جالس والقضاة والقواد والهاشميين . فهبت المجلس ، وعلّمت كيف أسلّم ، ففعلت وتقدم المقتدر إلى بعض القضاة الحاضرين ، فخطب لي وزوّجني ، وخرجت من حضرته ، فلما صرت في بعض الدهاليز قريبا من الباب عدل بي إلى دار عظيمة مفروشة بأنواع الفرش الفاخر ، وفيها من الآلات والخدم والقماش كل شيء لم أر مثله قط . فأجلست فيها وتركت وحدي ، وانصرف من أدخلني ، فجلست يومي لا أرى من أعرف ، ولا أبرح موضعي إلا إلى الصلاة ، وخدم يدخلون ويخرجون ، وطعام عظيم ينقل ، وهم يقولون : الليلة تزفّ فلانة ، باسم صاحبتي ، إلى زوجها البزّاز . فلا أصدّق فرحا . فلما جاء الليل أثّر فيّ الجوع ، وقفلت الأبواب ، ويئست من الجارية ، فقمت أطوف الدار ، فوقعت على المطبخ ووجدت الطباخين جلوسا فاستطعمتهم فلم يعرفوني وقدروني بعض الوكلاء ، فقدموا إليّ هذا اللون من الطعام مع رغيفين ، فأكلتهما وغسلت يدي بأشنان كان في المطبخ ، وقدّرت أنها قد نقيت ، وعدت إلى مكاني . فلما جنّني الليل إذا بطبول وزمور وأصوات عظيمة ، وإذا بالأبواب قد فتحت وصاحبتي قد أهديت إلي وجاءوا بها ، فجلّوها عليّ وأنا أقدر أن ذلك في النوم فرحا ، وتركت معي في المجلس وتفرّق الناس . فلما خلونا تقدمت إليها فقبلتها وقبلتني ، وشمّت لحيتي فرفستني ورمت بي عن المنصة ، وقالت : أنكرت أن تفلح يا عامي يا سفلة . وقامت لتخرج ، فقمت وتعلّقت بها ، وقبّلت الأرض ورجليها ، وقلت : عرّفيني ذنبي ، واعملي بعده ما